فصل: طَلَاقُ الْأَمَةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.طَلَاقُ السَّكْرَانِ:

(وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ) وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ بِالْعَقْلِ وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ فَصَارَ كَزَوَالِهِ بِالْبَنْجِ وَالدَّوَاءِ.
وَلَنَا أَنَّهُ زَالَ (بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَجُعِلَ بَاقِيًا حُكْمًا زَجْرًا لَهُ، حَتَّى لَوْ شَرِبَ فَصُدِعَ وَزَالَ عَقْلُهُ بِالصُّدَاعِ نَقُولُ إنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ).
الشَّرْحُ:
(وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ عَدَمَهُ) وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ، خَلَا أَنَّ فِي كَلَامِهِ تَسَامُحًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَقْلَ زَائِلًا بِالسُّكْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ وَلَا خِطَابَ بِلَا عَقْلٍ بَلْ هُوَ مَغْلُوبٌ، وَلَمَّا كَانَ الْمَغْلُوبُ كَالْمَعْدُومِ وَأَطْلَقَ الزَّوَالَ مُجَارَاةً لِلْخَصْمِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.
وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ شُرْبَ الْمُسْكِرِ كَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَمَا بَالُ السَّفَرِ صَارَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ دُونَ شُرْبِ الْمُسْكِرِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا جُعِلَ الْعَقْلُ بَاقِيًا فِي الطَّلَاقِ حُكْمًا زَجْرًا لَهُ كَانَتْ الرِّدَّةُ وَالْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ وَالْعُقُوبَةَ هُنَاكَ أَتَمُّ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الشُّرْبَ نَفْسَهُ مَعْصِيَةٌ لَيْسَ فِيهِ إمْكَانُ انْفِصَالٍ وَلَا جِهَةُ إبَاحَةٍ تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ التَّخْفِيفِ إلَيْهَا فَجُعِلَ بَاقِيًا زَجْرًا، بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَأَمْكَنَ انْفِصَالُهَا عَنْهُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَكَانَتْ جِهَةُ إبَاحَتِهِ تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ التَّخْفِيفِ وَالتَّرَخُّصِ إلَيْهَا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الرُّكْنَ فِي الرِّدَّةِ الِاعْتِقَادُ، وَالسَّكْرَانُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُولُ فَلَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ لِانْعِدَامِ رُكْنِهَا لَا لِلتَّخْفِيفِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ فَإِنَّ السَّكْرَانَ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ فَيُجْعَلُ رَاجِعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَيُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ.
وَفِي قَوْلِهِ: بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ إشَارَةً إلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدِهِمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّرْبِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلَى سُكْرٍ يَكُونُ مَحْظُورًا.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُبَاحٍ كَالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ وَالْخَمْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا بِالْقَتْلِ فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ فِي حَقِّ مَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى لَوْ شَرِبَ فَصَدَعَ وَزَالَ عَقْلُهُ بِالصُّدَاعِ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوَالُهُ بِمَعْصِيَةٍ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الصُّدَاعَ أَثَرُ الشُّرْبِ فَكَانَ عِلَّةَ الْعِلَّةِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَيْهَا كَمَا يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ، فَمَا بَالُهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْعِلَّةِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ صَالِحَةً لِلْإِضَاقَةِ، وَهَاهُنَا صَالِحَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ كَمَا إذَا جُنَّ.

.طَلَاقُ الْأَخْرَس:

(وَطَلَاقُ الْأَخْرَسِ وَاقِعٌ بِالْإِشَارَةِ)؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْهُودَةً فَأُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِبَارَةِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَسَتَأْتِيكَ وُجُوهُهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ: (وَطَلَاقُ الْأَخْرَسِ وَاقِعٌ) ظَاهِرٌ.

.طَلَاقُ الْأَمَةِ:

(طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَدَدُ الطَّلَاقِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» وَلِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِكِيَّةِ كَرَامَةٌ وَالْآدَمِيَّةُ مُسْتَدْعِيَةٌ لَهَا، وَمَعْنَى الْآدَمِيَّةِ فِي الْحُرِّ أَكْمَلُ فَكَانَتْ مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ وَأَكْثَرَ.
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا، وَلِلرِّقِّ أَثَرٌ فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ إلَّا أَنَّ الْعُقْدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَتْ عُقْدَتَانِ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّ الْإِيقَاعَ بِالرِّجَالِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ: (وَطَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ) أَنَّثَ الطَّلَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّطْلِيقَةِ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَابَلَ الطَّلَاقَ بِالْعِدَّةِ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ اعْتِبَارُ الْعِدَّةِ بِالنِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ؛ وَلِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِكِيَّةِ كَرَامَةٌ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَرَامَةٌ فَالْآدَمِيَّةُ مُسْتَدْعِيَةٌ لَهَا لِكَوْنِهِ مُكَرَّمًا بِتَكْرِيمِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الْآيَةَ، وَمَعْنَى الْآدَمِيَّةِ فِي الْحُرِّ أَكْمَلُ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعَبْدُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَلِخُلُوصِهِ عَنْ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْمَمْلُوكَ فِي قَرْنِ الْبَهَائِمِ مَلْزُوزًا، (فَكَانَتْ مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ) فَإِنْ قُلْت: الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالزَّوْجِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَالدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ حُرًّا كَانَ مَالِكًا.
قُلْت: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْحُرِّ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ، وَمَذْهَبُهُ قَوْلُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (وَلَنَا قَوْلُهُ: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ») وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَكَرَ الْأَمَةَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْهُودٌ فَكَانَ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلَاقُ هَذَا الْجِنْسِ ثِنْتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ اعْتِبَارُ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ لَكَانَ لِبَعْضِ الْإِمَاءِ ثِنْتَانِ فَلَمْ تَبْقَ اللَّامُ لِلْجِنْسِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَمَةَ تَحْتَ عَبْدٍ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْهَاءُ فِي «وَعِدَّتُهَا» عَائِدَةٌ إلَيْهَا فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لَهَا بِكَوْنِ عِدَّتِهَا حَيْضَتَيْنِ، إذْ لَا مَرْجِعَ لِلضَّمِيرِ سِوَاهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَمَةِ الْأَمَةَ تَحْتَ عَبْدٍ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مُطْلَقِ الْأَمَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خَطَابَةٌ لَا تُجْدِي فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ؛ (وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ) أَيْ: حِلَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَحَلَّ النِّكَاحِ نِعْمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى دُرُورِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِوَاجِ وَتَحْصِينِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا، وَمَا هُوَ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا يَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، فَإِنَّ لِلرِّقِّ أَثَرًا فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ فِي الرِّجَالِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ التَّزَوُّجِ مَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ فَكَذَا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الْحُرَّةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا إلَّا عُقْدَةً وَنِصْفًا: أَيْ: طَلْقَةً وَنِصْفَ طَلْقَةٍ تَنْقِيصًا لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ، (إلَّا أَنَّ الْعُقْدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَتْ عُقْدَتَانِ)، وَمَذْهَبُنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ) يَعْنِي قَوْلَهُ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» أَنَّ الْإِيقَاعَ بِالرِّجَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَعْلُومٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ خَاصَّةً.
أُجِيبَ بَلْ كَانَ إلَى ذِكْرِهِ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا كَرِهَتْ الزَّوْجَ غَيَّرَتْ الْبَيْتَ وَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا مِنْهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ امْرَأَةً) بِإِذْنِ مَوْلَاهُ وَطَلَّقَهَا (وَقَعَ طَلَاقُهُ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مَوْلَاهُ عَلَى امْرَأَتِهِ)؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَكُونُ الْإِسْقَاطُ إلَيْهِ دُونَ الْمَوْلَى.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ امْرَأَةً وَطَلَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مَوْلَاهُ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الْعَبْدِ) لِكَوْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ الْآدَمِيَّةِ، وَالْعَبْدُ مُبْقًى فِيهَا عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ النِّكَاحَ دُونَ إذْنِ مَوْلَاهُ، لَكِنْ لَوْ قُلْنَا بِهِ تَضَرَّرَ الْمَوْلَى فِيهِ فَتَرَكْنَاهُ لِأَجْلِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

.بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ:

(الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ.
فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ صَرِيحًا وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ.
وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْعَمَلِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لِلتَّخْلِيصِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
الشَّرْحُ:
بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَنْوِيعِهِ فَقَالَ (الطَّلَاقُ) أَيْ التَّطْلِيقُ (عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ) لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحَةً، وَالصَّرِيحُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وَهُوَ يُشِيرُ بِتَسْمِيَتِهِ بَعْلًا إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وَالرَّدُّ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَعْلَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلزَّوْجِ حَقِيقَةً وَهِيَ لَا تُتْرَكُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَمَّا لَفْظُ الرَّدِّ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ كَالْبَائِعِ جَارِيَةً بِالْخِيَارِ لَهُ وَلِلْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي.
ثُمَّ إذَا فَسَخَهُ يُقَالُ رَدَّ الْجَارِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ الْبَائِعِ (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ) وَالصَّرِيحُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا كَذَلِكَ، وَالصَّرِيحُ يَقُومُ لَفْظُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ: يَعْنِي إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ لِأَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ حَيْثُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ، وَالتَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا وَالْإِمْسَاكُ إبْقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، فَمَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً كَانَتْ وِلَايَةُ الرَّجْعَةِ بَاقِيَةً، وَإِذَا انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتْ فَصَارَتْ الْبَيْنُونَةُ مُعَلَّقَةً بِالِانْقِضَاءِ كَذَا قَالُوا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ عَلَى تَعْلِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِالِانْقِضَاءِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ الْبَيْنُونَةَ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ فِيمَا نُوِيَتْ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً وَالْمُقْتَضِي ضَرُورِيٌّ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالرَّجْعِيِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَائِنِ كَانَ أَسْلَمَ، وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ (فَيُرَدُّ عَلَيْهِ) يَعْنِي قَصْدُهُ وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَقْدِيمَ مَا أَخَّرَ الشَّرْعُ إلَى وَقْتٍ وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ كَمَا فِي قَتْلِ الْمُورَثِ وَأَصْلُهُ بَقَرَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ (وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْقَيْدُ وَالْكَسْرُ فِيهِ لُغَةٌ (لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ) أَيْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَحَقِيقَتُهُ دَيَّنْت الرَّجُلَ تَدْيِينًا وَكَلْتُهُ إلَى دِينِهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي التَّصْدِيقِ مَجَازًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ فِيمَا عَلَيْهِ تَخْفِيفٌ.
وَكَذَلِكَ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ (وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ) إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْإِطْلَاقِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ أَوْ الْوَثَاقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ عِبَارَةً عَنْهُ مَجَازًا.
(وَلَوْ نَوَى بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ طَالِقٌ (الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهُوَ) قِيلَ أَيْ الْمَرْأَةُ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ أَوْ الذَّاتِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ يَعُودُ إلَى الْقَيْدِ الَّذِي يَرْفَعُهُ الطَّلَاقُ وَهُوَ النِّكَاحُ.
وَتَقْرِيرُهُ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ النِّكَاحِيِّ، وَالْقَيْدُ النِّكَاحِيُّ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْعَمَلِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِرَفْعِ الْقَيْدِ بِالْعَمَلِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْلِيصِ) فَكَانَ مَعْنَاهُ أَنْتِ مُخَلَّصَةٌ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِ، أَمَّا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ عَمَلِ كَذَا مَوْصُولًا صُدِّقَ دِيَانَةً رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا كَانَ كِنَايَةً لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ وَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ قَالَ (وَلَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً كَذِكْرِ الْعَالَمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ فَيَكُونَ نَصَبًا عَلَى التَّمْيِيزِ.
وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، وَذِكْرُ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ، وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِك أَعْطَيْتُهُ جَزِيلًا: أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا (وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ النَّعْتَ وَحْدَهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ مَعَهُ وَأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَكَادَةً أَوْلَى.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ: أَيْ عَادِلٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَلَاقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْكَثْرَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
هُوَ يَقُولُ: إنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضُ الثَّلَاثِ فَلَمَّا صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَةً.
وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، أَمَّا الثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَعَدَدٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّوَحُّدِ يُرَاعَى فِي أَلْفَاظِ الْوُحْدَانِ وَذَلِكَ بِالْفَرْدِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمَثْنَى بِمَعْزِلٍ مِنْهُمَا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَقَعُ بِهِ) مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ: أَيْ لَا يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ لَفْظِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ) لِكَوْنِهِ نَعْتًا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ (وَلِهَذَا) أَيْ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ (يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ) وَكُلُّ مَا هُوَ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ تَصِحُّ نِيَّتُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ) وَكُلُّ مَا هُوَ نَعْتُ فَرْدٍ (لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ) وَالضِّدُّ لَا يَحْتَمِلُ الضِّدَّ.
وَقَوْلُهُ (وَذِكْرُ الطَّوَالِقِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةٌ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الطَّالِقَ نَعْتٌ مِنْ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَرْأَةِ لَا عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ كَالسَّلَامِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ هُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِعْلُ الرَّجُلِ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ ضَرُورِيٌّ تَتَّصِفُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الثَّانِيَ تَصْحِيحًا لَهُ وَكَانَ ثَابِتًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ مُقْتَضًى وَلَا عُمُومَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ) وَاضِح وَقَوْلُهُ (فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ الطَّلَاقُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ لَمَا صَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا لَمْ تَصِحَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إنَّمَا لَا تَصِحُّ فِي طَالِقٍ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَهُوَ مَصْدَرٌ فِي أَصْلِهِ وَإِنْ وُصِفَ بِهِ فَلُمِحَ فِيهِ جَانِبُ الْمَصْدَرِيَّةِ وَصَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ. (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقَ أُخْرَى يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَتَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقِ أُخْرَى) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً لَغَا الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً (يُصَدَّقُ) وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ رَجْعِيَّتَانِ (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ) بِتَقْدِيرِ الْمُبْتَدَإِ فِي الثَّانِي كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ. (وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ) لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ (أَوْ) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ أَوْ عُنُقُك) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُك طَالِقٌ (أَوْ رُوحُك أَوْ بَدَنُك أَوْ جَسَدُك أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك) لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
أَمَّا الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَقَالَ {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوج» وَيُقَالُ فُلَانٌ رَأْسُ الْقَوْمِ وَيَا وَجْهَ الْعَرَبِ وَهَلَكَ رُوحُهُ بِمَعْنَى نَفْسُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَةٍ يُقَالُ دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ) (طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك) طَالِقٌ لِأَنَّ الشَّائِعَ مَحِلٌّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَمَا هَذَا حَالُهُ يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِيهِ قَضِيَّةً لِلْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مُمْتَنِعٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تُغَلِّبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُوَ كَمَا إذَا أَضَافَهُ إلَى رِيقِهَا أَوْ ظُفُرِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْقَيْدُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ وَلَا قَيْدَ فِي الْيَدِ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلنِّكَاحِ عِنْدَنَا حَتَّى تَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا) مِثْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرَ هَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ مَا بَعْدَهُ (أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مِثْلَ قَوْلِك رَقَبَتُك طَالِقٌ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَلَمْ يُرِدْ الرَّقَبَةَ بِعَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ الْعُنُقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وَلَمْ يُرِدْ الْأَعْنَاقَ بِعَيْنِهَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْإِصْبَعِ وَالشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ.
لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مُسْتَمْتَعٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ، وَمَا كَانَ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لِأَنَّهُ رَافِعُهُ فَيَكُونُ حَالًّا مَحَلَّهُ فَإِذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الطَّلَاقُ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ الْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ لَانْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ مُمْتَنِعَةٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ فَيَمْتَنِعُ عَنْ السَّرَيَانِ (وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ) يَعْنِي الْحُرْمَةَ فِي هَذَا الْجُزْءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ) ظَاهِرٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَنَحْوَهُمَا أَطْرَافٌ وَهِيَ أَتْبَاعٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمَا دَخَلَ الْأَتْبَاعُ كَمَا فِي شِرَاءِ تِلْكَ الرَّقَبَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَصْلِ ذِكْرًا لِلتَّبَعِ، وَأَمَّا ذِكْرُ التَّبَعِ فَلَا يَكُونُ ذِكْرًا لِلْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ عَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَدِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا قَالَ أَرَدْت إضْمَارَ صَاحِبِهَا طَلُقَتْ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا قَالَ لَهَا رَأْسُك طَالِقٌ وَعَنَى اقْتِصَارَ الطَّلَاقِ عَلَى الرَّأْسِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ وَأَرَادَ بِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا تَطْلُقُ، وَإِذَا قَالَ ظَهْرُك طَالِقٌ أَوْ بَطْنُك طَالِقٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ النِّكَاحُ بِدُونِهِمَا، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) أَيْ الْإِيقَاعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ ظَهْرُك أَوْ بَطْنُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا. (وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا كَانَتْ) طَالِقًا (تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَةً، قِيلَ: يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَتَكَامَلَ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرَ ثَلَاثًا.
الشَّرْحُ:
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مَا لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الطَّلَاقُ، إذْ نِصْفُ التَّطْلِيقِ أَوْ ثُلُثُهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ كَالْعَفْوِ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ صِيَانَةً لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَتَغْلِيبًا لِلْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ وَإِعْمَالًا لِلدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى الْبَعْضِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ أَوْجَبَ إكْمَالَهُ وَإِلَّا لَزِمَ إبْطَالُ الدَّلِيلِ (وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ) وَالنِّصْفُ كَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالسُّدُسِ وَغَيْرِهَا (لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ) فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ يَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ خَوَاصِّ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّمَا أَوْرَدَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِإِشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ نَصَّفْته لَا يَكُونُ إلَّا نِصْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ بِالثَّلَاثَةِ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَلْغُوَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الطَّلَاقَ يَعْنِي أَرَادَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَاسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ إذَا كَانَ تَطْلِيقَةً فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِهِمَا تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مُهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ كَانَ لَغْوًا فَبَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْكَلَامُ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيمَا أَرَادَ أَوْ مَجَازًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَلَا إلَى الثَّانِي لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ الِاتِّصَالِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَتَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاتِّصَالُ مَوْجُودٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ.
وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا ثِنْتَيْنِ وَلَمْ نَقُلْ وَقَدْ أَوْقَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَرُبُعُ التَّطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ.
وَمَنْ أَوْقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ جَوَابَ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي أَوْقَعَهَا هُنَاكَ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ مَوْجُودَةٌ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ لِأَنَّ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ فَلَا وَجْهَ إلَى صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَاهُنَا الْأَجْزَاءُ الَّتِي أَوْقَعَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ إذْ لَيْسَ لِلتَّطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ فَلَا حَاجَةَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ سِوَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ قِيلَ يَقَعُ طَلْقَتَانِ) وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ وَالْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ تَكُونُ تَطْلِيقَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَقَعُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَكُونُ طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ لَا مَحَالَةَ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَلَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ ثِنْتَانِ.
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ فِي الْأُولَى هِيَ ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ) وَقَالَ زُفَرُ: الْأُولَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ الْغَايَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الْحَظْرُ، ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى لابد أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ.
وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً يَدِينُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ) إذَا طَلَّقَهَا مُشْتَمِلًا كَلَامَهُ عَلَى الْغَايَتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَوْ لَا تَدْخُلَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ أَوْ يَدْخُلَ الِابْتِدَاءُ دُونَ الِانْتِهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ الِانْتِهَاءُ دُونَ الِابْتِدَاءِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ لَا تَدْخُلُ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ غَايَةً كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَقَوْلِهِ بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ، وَهُوَ قِيَاسٌ مَحْضٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَاجَّهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ، فَقَالَ لَهُ إذَنْ أَنْتَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ فَتَحَيَّرَ.
وَرَوَى فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ هُوَ الَّذِي حَاجَّهُ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ قَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ؟ قَالَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا بَيْنَ لَا تَتَنَاوَلُ الْحَدَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ يَكُونُ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، فَتَحَيَّرَ زُفَرُ وَاسْتَحْسَنَ فِي مِثْلِ هَذَا وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَقِيلَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ حَدًّا وَمَحْدُودًا لَغَا آخِرُ كَلَامِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ وَبَقِيَ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ مَا ذَكَرْنَاهُ: يَعْنِي الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ، قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ الثَّلَاثُ وَالْأَقَلَّ الْوَاحِدُ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ الثِّنْتَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ: يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْأَكْثَرِ فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ.
وَقَوْلُهُ (سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ).
وَقَوْلُهُ (وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ) مَعْنَاهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِرَادَةُ الْكُلِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ كَمَا ذَكَرْت، إلَّا أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لابد أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ جَعْلِهَا غَايَةً فَلَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِهَا، وَأَمَّا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ الْغَايَةَ دَاخِلَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لابد مِنْ وُجُودِهَا لِضَرُورَةِ الثَّانِيَةِ.
وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَمْ يُضْطَرَّ فِيهِ إلَى الْأُولَى لِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيَةً صَارَ لَغْوًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى.
وَلَوْ نَوَى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَأَشْبَاهِهِمَا وَاحِدَةً صُدِّقَ دِيَانَةً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ. (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ، وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفَ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ كَلِمَةَ {فِي} تَأْتِي بِمَعْنَى (مَعَ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أَيْ مَعَ عِبَادِي، وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَيَلْغُوَ ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا، لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ) فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ (وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ إزَالَةُ كَسْرٍ يَقَعُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَمَعْنَى وَاحِدَةٍ فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ ذَاتُ جُزْأَيْنِ، (وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا) كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَنِصْفَهَا وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا وَسُدُسَهَا وَثُمُنَهَا لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفُ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) وَاضِحٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ, لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْآخَرِ وَبَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ فَاسْتُعِيرَ لَهُ (وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى فِقْهِيٌّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْغَيْرِ فَيَلْغُو ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ) وَالضَّرْبُ تَضْعِيفُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِقَدْرِ مَا فِي الْعَدَدِ الْآخَرِ كَالْأَرْبَعَةِ فِي الْخَمْسَةِ يَحْصُلُ عِشْرُونَ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ تَضْعِيفُ الْأَرْبَعَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَوْ تَضْعِيفُ الْخَمْسَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا بِعُرْفِ الْحِسَابِ (لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ لِلْمَذْكُورِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ. (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ) وَالطُّولُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُوَّةِ وَقُوَّةُ الشَّيْءِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ قَبُولِ الْإِبْطَالِ، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا صَرَّحَ بِذِكْرِ الطُّولِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً طَوِيلَةً وَقَعَ رَجْعِيًّا عِنْدَهُ فَكَيْفَ صَحَّ تَعْلِيلُهُ بِالطُّولِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ إلَى الشَّامِ كَنَّى عَنْ الطُّولِ وَالْكِنَايَةُ أَقْوَى مِنْ التَّصْرِيحِ لِكَوْنِهَا دَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ وَمَوْضِعُهُ عِلْمُ الْبَيَانِ.
وَأَقُولُ: هَذِهِ خَطَابَةٌ لَا تَكَادُ تَنْهَضُ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ، وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا أَقْرَبُ (وَقُلْنَا لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا) فَتَخْصِيصُهُ بِذِكْرِ الشَّامِ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا وَرَاءَهُ. (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، وَإِنْ عَنَى بِهِ إذَا أَتَيْت مَكَّةَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى الْإِضْمَارَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ، وَإِنْ نَوَى إنْ مَرِضْت لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت مَكَّةَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ آخَرَ) وَقَوْلُهُ (وَإِنْ عَنَى) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ) إنَّمَا تَعْذُرُ الظَّرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ لِمُقَارَبَةٍ: أَيْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ لِأَنَّ الظَّرْفَ يَسْبِقُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسْبِقُ الْمَشْرُوطَ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَقِيلَ لِأَنَّ الظَّرْفَ يُجَامِعُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ.